الغزالي
48
إحياء علوم الدين
فلم لا تشتغلين فيه بذلك ، فإن أوحي إليك بالإمهال ، فما المانع من المبادرة ، وما الباعث لك على التسويف ! هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة شهواتك لما فيها من التعب والمشقة أفتنتظرين يوما يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات ، هذا يوم لم يخلقه الله قط ، ولا يخلقه ، فلا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره ، ولا تكون المكاره قط خفيفة على النفوس . وهذا محل وجوده أما تتأملين مذ كم تعدين نفسك وتقولين غدا غدا ، فقد جاء الغد وصار يوما فكيف وجدته ، أما علمت أن الغد الذي جاء وصار يوما كان له حكم الأمس ، لا بل تعجزين عنه اليوم ، فأنت غدا عنه أعجز وأعجز ، لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التي تعبّد العبد بقلعها ، فإذا عجز العبد عن قلعها للضعف وأخرها ، كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوي ، فأخرها إلى سنة أخرى ، مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوّة ورسوخا ويزيد القالع ضعفا ووهنا ! فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه قط في المشيب . بل من العناء رياضة الهرم ، ومن التعذيب تهذيب الذئب . والقضيب الرطب يقبل الانحناء ، فإذا جف وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك فإذا كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور الجلية ، وتركنين إلى التسويف ، فما بالك تدّعين الحكمة ، وأية حماقة تزيد على هذه الحماقة ؟ ولعلك تقولين ما يمنعني عن الاستقامة إلا حرصي على لذة الشهوات ، وقلة صبري على الآلام والمشقات ، فما أشد غباوتك ، وأقبح اعتذارك ! إن كنت صادقة في ذلك فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية عن الكدورات الدائمة أبد الآباد ، ولا مطمع في ذلك إلا في الجنة فإن كنت ناظرة لشهوتك فالنظر لها في مخالفتها ، فرب أكلة تمنع أكلات . وما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيام ليصح ويهنأ بشربه طول عمره ، وأخبره أنه إن شرب ذلك مرض مرضا مزمنا وامتنع عليه شربه طول العمر ، فما مقتضى العقل في قضاء حق الشهوة ؟ أيصبر ثلاثة أيام ليتنعم طول العمر ؟ أم يقضى شهوته في الحال خوفا من ألم المخالفة ثلاثة أيام ، حتى يلزمه ألم المخالفة ثلاثمائة يوم وثلاثة آلاف يوم ؟ وجميع عمرك بالإضافة إلى الأبد الذي هو مدة نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار ، أقل من ثلاثة أيام بالإضافة إلى جميع العمر وإن طالت مدته وليت شعري ألم الصبر عن الشهوات أعظم شدة وأطول مدة ، أو ألم النار في دركات جهنم